في ظل تداعيات حرب غزة واتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط، تعيد مصر النظر في علاقاتها الإقليمية، من إسرائيل وإيران إلى تركيا ودول الخليج. فلم تعد الحرب مجرد أزمة على الحدود المصرية، بل تحولت إلى عامل يعيد تشكيل حسابات القاهرة الأمنية والدبلوماسية، ويختبر قدرتها على الحفاظ على دور الوسيط الإقليمي في منطقة تتزايد فيها الاستقطابات وتتراجع فيها قدرة القوى التقليدية على ضبط مسار الأحداث.
ووفقًا لما أوردته منصة «المنصة» في تقرير كتبته سمر الجمال، تتجه السياسة الخارجية المصرية نحو إعادة ضبط تكتيكية لعلاقاتها، لا إلى تغيير جذري في تحالفاتها. فالقاهرة لا تزال متمسكة بجوهر علاقتها بإسرائيل وفق معاهدة السلام، لكنها باتت تنظر إلى سلوك الحكومة الإسرائيلية باعتباره مصدرًا مباشرًا للتهديد الإقليمي. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى توسيع هامش تحركها عبر التقارب مع إيران وتركيا وقطر والسعودية، من دون الانخراط الكامل في محور إقليمي جديد أو الالتزام بتحالفات عسكرية قد تقيّد خياراتها.
إسرائيل من شريك سلام إلى مصدر تهديد للأمن القومي المصري
في ليلة 9 سبتمبر 2025، شنت طائرات حربية إسرائيلية غارات على مجمع سكني في الدوحة، حيث كان مفاوضو حركة حماس يناقشون مقترحًا أمريكيًا جديدًا لوقف إطلاق النار في غزة. وشكّل الهجوم أول استهداف إسرائيلي لعاصمة دولة خليجية تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية وتؤدي دور الوسيط بين واشنطن وإسرائيل، بعدما كانت تنقل قبل أيام شروطًا أمريكية إلى قيادات فلسطينية حاولت إسرائيل اغتيالها.
وبعد ستة أيام، توجه رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي إلى الدوحة للمشاركة في القمة الطارئة، حيث أدان ما وصفه بـ«تهور» إسرائيل وتزايد «غطرستها»، ونعَتها بـ«العدو»، محذرًا من عودة المنطقة إلى أجواء الصراع. ويرى مصدر رسمي تحدث إلى «المنصة» أن السيسي ربما أضاف بنفسه بعض العبارات إلى خطابه، وهو ما قد يعكس تحولًا في نظرة المؤسسة المصرية إلى إسرائيل؛ فلم تعد القاهرة تتعامل معها باعتبارها شريك سلام صعب المراس، لكنه يظل ملتزمًا بمعاهدة عمرها 45 عامًا، بل باتت تنظر إليها باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والمصري.
ولم تعد حرب غزة أزمة حدودية فحسب. فمنذ 7 أكتوبر 2023، امتدت تداعياتها إلى شبكة علاقات مصر الإقليمية، من إسرائيل وإيران إلى تركيا ودول الخليج، وأثارت تساؤلات بشأن الدور الذي تستطيع القاهرة أداءه في نظام إقليمي شديد الاضطراب.
وفي مايو 2024، قُتل جندي مصري وأصيب آخرون بنيران إسرائيلية قرب معبر رفح. وفتح الجيشان المصري والإسرائيلي تحقيقين في الحادث، فيما حذرت القاهرة من تعريض قواتها للخطر، وأكدت أنها ستتخذ التدابير اللازمة لمنع تكرار الواقعة.
وجاء الحادث بعد أسابيع من سيطرة القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، وبدء عملياتها على امتداد محور فيلادلفيا، وهو شريط حدودي يبلغ طوله نحو 14 كيلومترًا. وبحلول نهاية مايو، أعلنت إسرائيل إحكام «السيطرة العملياتية» على المحور، ما منح قواتها السيطرة على الحدود البرية لقطاع غزة بالكامل.
أمام هذه التطورات، باتت الترتيبات الأمنية التي بنتها القاهرة وتل أبيب على مدى عقود تواجه ضغوطًا مباشرة. فإسرائيل التي تستهدف عاصمة خليجية، وتطرح قياداتها علنًا فكرة تهجير سكان غزة إلى الأراضي المصرية، تختلف في نظر القاهرة عن إسرائيل التي أبرمت معها النخبة السياسية المصرية معاهدة السلام قبل أربعة عقود.
ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، قدمت مصر احتجاجًا رسميًا إلى إسرائيل والولايات المتحدة وحكومات أوروبية، محذرة من أن العملية العسكرية في رفح قد تعرض معاهدة السلام لخطر بالغ.
كما أفادت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بأن مسؤولين مصريين أبلغوا مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وليام بيرنز، خلال زيارته القاهرة في مايو 2024، بضرورة ممارسة واشنطن ضغطًا فوريًا على تل أبيب لوقف عملياتها العسكرية، وإلا فقد تضطر القاهرة إلى تعليق اتفاقيات كامب ديفيد التي مهدت لمعاهدة السلام الموقعة عام 1979.
وتزامنت هذه التقارير مع إعلان مصر نيتها الانضمام إلى الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. لكن وزير الخارجية المصري آنذاك، سامح شكري، شدد خلال مؤتمر صحفي مع نظيره السلوفيني على أن معاهدة السلام تمثل خيارًا استراتيجيًا لمصر منذ 40 عامًا، وركيزة أساسية لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. وانتهت في مارس 2026 المهلة المحددة لتقديم طلبات التدخل في القضية دون انضمام مصر إليها رسميًا.
وتكشف هذه التناقضات طبيعة التحول في السياسة المصرية: فالأمر أقرب إلى تعديل تكتيكي منه إلى تغيير بنيوي في العلاقة مع إسرائيل.
فخلال معظم فترة حكم السيسي، كما كان الحال في جانب كبير من عهد حسني مبارك، تعاملت القاهرة مع علاقتها بإسرائيل باعتبارها أصلًا استراتيجيًا، لا عبئًا سياسيًا. وتجاوز التعاون بين الطرفين نص المعاهدة ليشمل التنسيق الأمني في سيناء ومكافحة الإرهاب، والتفاهمات الاستخباراتية والعسكرية، والوساطة بين إسرائيل وحماس، فضلًا عن صفقات الغاز الكبرى.
وقال مصدر مطلع على الملف لـ«المنصة» إن العلاقة كانت قائمة على المنفعة المتبادلة، وكانت هذه المنفعة أهم بالنسبة إلى القاهرة من وجود دفء سياسي، لكن حرب غزة باتت تعرقل هذا المسار بصورة شبه يومية.
وأضاف المصدر أن القاهرة كانت، قبل 7 أكتوبر، تتعامل مع علاقتها بإسرائيل والقضية الفلسطينية باعتبارهما مسارين متوازيين، غير أن الحرب غيّرت هذه المعادلة. ولم تجعل الحرب مصر أكثر انخراطًا في القضية الفلسطينية بالضرورة، لأن فلسطين كانت على مدى عقود مسألة أمنية ودبلوماسية محورية بالنسبة إلى القاهرة، لكنها غيّرت طبيعة التحديات التي تواجهها.
وأوضح المصدر أن محاولات إسرائيل دفع الفلسطينيين إلى سيناء، واحتمالات اندلاع اشتباكات على الحدود، حولت القضية إلى مسألة تمس الأمن القومي المصري مباشرة، ودفعت القاهرة إلى التفكير بمنطق التعامل مع خصم، لا بمنطق الوسيط.
وبعد عقود من الفتور الشعبي تجاه إسرائيل، ظهر ما وصفه مصدر دبلوماسي بـ«البرود الرسمي»، رغم استمرار الاتصالات والتنسيق على المستويات الأمنية الأدنى. وتراجعت العلاقات السياسية والدبلوماسية إلى أدنى مستوياتها، إذ لا تُعقد اجتماعات بين وزيري خارجية البلدين أو مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، كما يغيب التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفراء.
وظل منصب السفير المصري في تل أبيب شاغرًا منذ مغادرة خالد عزمي في أكتوبر 2024، واكتفت القاهرة بتعيين مجدي الدريني قائمًا بالأعمال، وفق مسؤولين مصريين تحدثوا إلى «المنصة». وفي المقابل، ظل منصب السفير الإسرائيلي في القاهرة شاغرًا منذ عام 2023. وبعد مغادرة السفيرة السابقة أميرة أورون، رشحت تل أبيب أوري روثمان خلفًا لها، لكن القاهرة لم تمنحه الموافقة الدبلوماسية اللازمة.
وقال المصدر الدبلوماسي إنه من المستبعد تبادل السفراء في ظل حكومة بنيامين نتنياهو.
وفي الوقت نفسه، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مرارًا التزام بلاده بتعهداتها تجاه إسرائيل بموجب معاهدة السلام، ما دامت إسرائيل ملتزمة بتعهداتها هي الأخرى. لكنه وصف العلاقات بأنها تمر بـ«توتر حاد» بسبب السياسات الإسرائيلية العدوانية، وذهب إلى القول إن مصر لا تجد حاليًا شريكًا للسلام في إسرائيل.
ويرى المصدر الدبلوماسي أن القاهرة خلصت إلى أن إسرائيل تجاوزت الخطوط الحمراء، وأن سلوكها غيّر الافتراضات التي قامت عليها العلاقة الرسمية بين البلدين. فقد عمقت الدمار في غزة، والتهديدات بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، والعمليات العسكرية في رفح ومحور فيلادلفيا، ثم اتساع الهجمات الإسرائيلية لتشمل لبنان وسوريا وإيران وقطر، مخاوف مصر من نمط سلوك إقليمي يتجاوز حدود القضية الفلسطينية.
ورغم ذلك، لا تزال القاهرة متمسكة بجوهر العلاقة التي أرستها معاهدة السلام، لكنها أصبحت أقل تحفظًا في خطابها تجاه إسرائيل، مع تزايد إدانتها لطموحاتها التوسعية وهيمنتها العسكرية، ونظرها إليها باعتبارها مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي.
ولذلك، تسعى مصر إلى إدارة علاقة ترى أن التخلي عنها بالكامل قد يكون أكثر خطورة من الاستمرار فيها، بالتوازي مع البحث عن ترتيبات إقليمية أوسع. ويلخص دبلوماسي آخر هذا التوجه بالقول إن الاستراتيجية الإقليمية المصرية باتت تعتمد بدرجة أكبر على إدارة الأزمات كلما ظهرت.
تقارب مع إيران وتركيا.. وإعادة ترتيب حسابات الخليج
اعتادت مصر الموازنة بين شركاء تتقارب مصالحهم في كثير من الأحيان، لكنها باتت مضطرة اليوم إلى التعامل مع معسكرات متعارضة بوضوح: إسرائيل وإيران في مواجهة عسكرية مفتوحة، والسعودية والإمارات في خلاف علني غير مسبوق، وتركيا وإسرائيل في حالة توتر متصاعد، فيما تبدو الولايات المتحدة أقل قدرة، أو أقل رغبة، في تحديد إيقاع المنطقة كما فعلت لعقود.
وتتكرر هذه التعقيدات في جوار مصر المباشر، من السودان إلى ليبيا والقرن الإفريقي، بينما يحد ضعف الاقتصاد المصري من قدرة القاهرة على الانحياز الكامل إلى أي طرف. ويرى دبلوماسي أن الحرب على إيران نقلت مركز الثقل الإقليمي باتجاه الشرق، نحو باكستان وتركيا وقطر. ويقول مصدر مطلع إن القاهرة اتجهت بدورها إلى هذه الأطراف، نظرًا إلى أن تقاربها معها يثير قلق إسرائيل أيضًا.
وفي ديسمبر 2024، زار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القاهرة للمشاركة في قمة مجموعة الدول الثماني النامية. وبعد أشهر، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة المصرية في إطار مساعي القاهرة للوساطة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. والتقى عراقجي مجموعة من المثقفين والدبلوماسيين السابقين، وتجول في القاهرة الفاطمية، وزار مسجد الحسين، وتحدث عن دخول العلاقات المصرية الإيرانية «مرحلة جديدة».
وبعد ذلك بوقت قصير، أزالت الحكومة الإيرانية اسم خالد الإسلامبولي، الضابط الذي اغتال الرئيس المصري أنور السادات، من أحد الشوارع الرئيسية في شمال طهران، كما أزالت لوحة جدارية كبيرة له على مبنى الإمام الخميني في الشارع نفسه، وفق مصادر دبلوماسية رسمية تحدثت إلى «المنصة».
وبحلول نهاية عام 2025، كان مسار تطبيع العلاقات يتقدم بسرعة، مع تكرار الاتصالات بين الرئيسين المصري والإيراني، والاستعدادات لزيارة وزير الخارجية المصري طهران. لكن المسار تعثر عقب الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير 2026، ثم اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها.
ومع ذلك، استمر التنسيق بين البلدين، وزار عراقجي مصر سبع مرات حتى وقت نشر التقرير. لكن رد إيران على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، عبر استهداف دول خليجية، أثر في مسار العلاقات الثنائية وأوقف تقدمها، بحسب الدبلوماسي الأول. وظل الإعلان الرسمي عن تبادل السفراء معلقًا.
ودافع المصدر الدبلوماسي عن التقارب مع إيران باعتباره جزءًا من سياسة مصرية أوسع تقوم على عدم مقاطعة أي طرف أو إدارة الظهر لأي قضية، بما في ذلك سوريا في ظل حكم أحمد الشرع. لكن مصدرًا مطلعًا على الملف انتقد طريقة التفاوض التي اتبعتها القاهرة في هذا التقارب.
وقال المصدر إن مصر قررت الانفتاح على إيران أساسًا بسبب حرب غزة، بعدما واجهت مشكلة حقيقية مع إسرائيل، تمامًا كما جاء قطع العلاقات مع طهران سابقًا بدافع القلق على علاقات القاهرة بدول الخليج. واعتبر أن القطيعة والعودة إلى التقارب استندتا، في الحالتين، إلى أسباب غير مناسبة، وأن على مصر البحث عن مصالحها الخاصة بدلًا من تحمل أعباء حسابات الآخرين.
وأضاف أن مصر، بوصفها مركز العالم العربي، ينبغي ألا تتساهل مع تمدد النفوذ الإيراني شرقًا، وأن ما يهمها هو الحفاظ على مكانتها ونفوذها. وحذر من أن طهران قد تقرأ التقارب المصري باعتباره قبولًا، ولو ضمنيًا، بسياساتها.
ويرى المصدر أن الانفتاح على إيران يمثل ورقة تفاوض مهمة كان ينبغي للقاهرة استثمارها للحصول على شروط أفضل، واستخدامها في إدارة علاقتها بالسعودية وتحديد موقعها في حسابات الولايات المتحدة.
أما التقارب مع تركيا، فقد اتبع منطقًا مشابهًا، لكنه تقدم بوتيرة أسرع، لأن العلاقات كانت قد بدأت تتحسن قبل حرب غزة. ففي يوليو 2023، أعادت القاهرة وأنقرة تبادل السفراء بعد سنوات من القطيعة التي أعقبت التحولات السياسية في مصر عام 2013. ثم تجاوزت العلاقة مرحلة التنافس إلى تعاون عسكري متنامٍ.
ومنحت حرب غزة هذا التقارب أهمية استراتيجية إضافية. وقال الدبلوماسي الأول إن المصالحة مع تركيا تسارعت لأسباب اقتصادية، وكذلك بسبب وجود خصم مشترك هو إسرائيل.
أما المصدر المطلع، فأوضح أن الأولوية أصبحت مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية على الحدود الشرقية لمصر، حتى إن القاهرة تراجعت عن بعض مواقفها مراعاة لمصالحها مع تركيا، وغضت الطرف عن دور أنقرة في ليبيا والسودان، قبل أن يتوسع التعاون بينهما ليشمل القرن الإفريقي.
ويظهر التحول بوضوح في ليبيا. فبعد سنوات من دعم القاهرة للقوات الشرقية بقيادة خليفة حفتر في مواجهة حكومة طرابلس المدعومة من تركيا، فتحت مصر قنوات مع حكومة عبد الحميد الدبيبة، واستقبل السيسي رئيسها في العلمين. وفي المقابل، وسعت أنقرة تنسيقها مع حفتر ونجليه.
ووصف دبلوماسي هذا النهج بأنه «دبلوماسية جيو-اقتصادية»، بينما رأى المصدر المطلع أن مصر تخلت بسهولة عن إحدى أوراقها، رغم سيطرتها السابقة على شرق ليبيا ومحاولاتها التمدد إلى غربها، في حين باتت تركيا تسيطر على الغرب وتوسع نفوذها شرقًا. وتساءل المصدر عن مدى استدامة هذا الترتيب إذا ساءت العلاقات بين القاهرة وأنقرة مستقبلًا.
وفي عامي 2025 و2026، تجاوز التقارب الجانب السياسي إلى التعاون العملياتي المباشر. فوفق تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في فبراير 2026، تنفذ مصر وتركيا عمليات عسكرية مشتركة منذ نوفمبر 2025 لدعم الجيش السوداني. وتوفر أنقرة للقاهرة طائرات مسيرة من طراز «أكينجي» وذخائر دقيقة لتنفيذ ضربات جوية تستهدف خطوط الإمداد التي تستخدمها قوات الدعم السريع انطلاقًا من مناطق ليبية خاضعة لقوات حفتر. وكان من الصعب تصور مثل هذا التعاون قبل سنوات قليلة.
ويتداخل التقارب المصري التركي كذلك مع حسابات القاهرة الخليجية. فمصر تدعم الجيش السوداني باعتباره الضامن لوحدة الدولة الواقعة على حدودها الجنوبية، بينما اتهم خبراء أمميون ومحققون حقوقيون ومسؤولون سودانيون الإمارات بتسليح قوات الدعم السريع.
وفي يناير 2026، ومع سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على مناطق في اليمن وتصاعد التوتر بين الرياض وأبوظبي، أعلن السيسي ووزير الخارجية السعودي تطابق موقفي البلدين من اليمن والسودان. وقرّب ذلك القاهرة من الموقف السعودي بشأن الملفين، رغم استمرار اعتماد الاقتصاد المصري بدرجة كبيرة على الإمارات.
لكن هذه التحولات لا تعني حدوث قطيعة مع أبوظبي، التي لا تزال من أهم مصادر الاستثمار في مصر. كما وجدت القاهرة منذ اندلاع حرب غزة مرتكزًا إضافيًا في قطر، إذ وصف الدبلوماسي الأول العلاقات معها بأنها تشهد انسجامًا كبيرًا، وربما بلغت أفضل مستوياتها.
غياب مصر عن اتفاق مكة يكشف حدود التحول الاستراتيجي
إذا كان ثمة حدث يكشف بوضوح ما تغير وما لم يتغير في الاستراتيجية المصرية، فهو غياب القاهرة عن اتفاق الدفاع المشترك الذي أبرمته السعودية وتركيا وباكستان في مكة.
ففي 7 أغسطس 2026، وقعت الدول الثلاث اتفاقًا للدفاع المشترك، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجومًا على الجميع، ويعزز التعاون الدفاعي بينها. وجاء الاتفاق في ظل تزايد الدعوات إلى إنشاء منظومات أمن إقليمية تحل محل الترتيبات التي قادت واشنطن المنطقة من خلالها لعقود.
وكانت مصر قد شاركت في مشاورات تمهيدية خلال العام السابق، لكنها لم تبد حماسًا للانضمام إلى تحالف عسكري قد يُفهم على أنه موجه ضد دولة بعينها. ورغم بحث القاهرة عن صيغة أمنية جديدة للمنطقة بعد الحرب، بدا أن حاجتها إلى تحالفات عسكرية ملزمة أقل إلحاحًا من حاجتها إلى توسيع شبكة علاقاتها.
وبدلًا من ذلك، اتجهت مصر إلى صيغة أخرى للتنسيق الإقليمي، هي الآلية الرباعية المعروفة باسم «R-4»، التي تجمعها بالسعودية وباكستان وتركيا. وقال دبلوماسي ثالث إن القاهرة اعتقدت أن فكرة التحالف العسكري قد أُغلقت، قبل أن تعرف الشكل النهائي للاتفاق قبل الإعلان عنه بيومين فقط.
ولم توقع مصر الاتفاق، فيما قال وزير الخارجية بدر عبد العاطي إن الانضمام إليه يتطلب دراسات معمقة في ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية للبلاد. وأثارت تقارير صحفية تكهنات بشأن تحفظ السعودية على انضمام مصر، إلى جانب حديث تركي عن احتمال انضمامها في مرحلة لاحقة.
وأبدت القاهرة استياءها من طريقة إدارة الملف، رغم أنها لم تكن راغبة أصلًا في الانضمام إلى الاتفاق، وعبرت عن غضبها بمقاطعة اجتماع رباعي كان مقررًا عقده في إسطنبول أواخر أغسطس.
لكن التوتر لم يدم طويلًا. ففي سبتمبر، استضافت البعثة المصرية في نيويورك اجتماعًا رباعيًا لاحقًا على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وانتهى الاجتماع بالتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في تحقيق سلام إقليمي دائم.
وتلخص هذه التطورات حدود التحول المصري: تريد القاهرة توسيع هامش تحركها وتنويع شركائها، لكنها تتردد في الانضمام إلى تحالفات عسكرية ملزمة قد تدفعها إلى الانحياز العلني إلى طرف على حساب آخر.
ويضيف الوضع الاقتصادي قيدًا آخر على خياراتها. فقد خفضت هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر إيرادات قناة السويس بنحو الثلثين خلال عام 2024، كما تضررت السياحة وصادرات الغاز جراء الصراعات الإقليمية. وفي ظل هشاشة الاقتصاد، لا تملك الحكومة المصرية مساحة واسعة لتحويل مواقفها السياسية إلى اصطفافات واضحة أو التزامات أمنية مرتفعة التكلفة.
ويرى المصدر المطلع أن مصر تخلت طوعًا عن بعض أوراق قوتها، وأنها بحاجة ماسة إلى الخروج من المأزق الراهن والأزمة الاقتصادية، خصوصًا أن بعض الدول المانحة تتصرف بما يتعارض مع مصالحها، بينما لا تستطيع القاهرة اتخاذ إجراءات رادعة بسبب أوضاعها الاقتصادية.
وشدد المصدر على ضرورة استعادة مصر قدرتها على إظهار القوة، معتبرًا أن أحد المبادئ الأساسية للسياسة هو أن تضع الأطراف الأخرى مصالح الدولة وحساباتها في الحسبان.
ومع ذلك، تتفق المصادر التي تحدثت إلى «المنصة» على أن السياسة الخارجية المصرية لا تزال حذرة، وتتجنب المخاطر، ولا تسعى إلى تصدر المشهد الإقليمي. لكن حرب غزة كشفت صعوبة استمرار الصورة التقليدية لمصر بوصفها وسيطًا معتدلًا لا ينحاز إلى أي طرف.
فالشرق الأوسط يشهد استقطابًا متزايدًا حول إسرائيل وطموحاتها التوسعية، إلى جانب انقسام داخل المعسكر الخليجي بفعل الخلاف السعودي الإماراتي، واستمرار المعضلة الإيرانية دون تسوية، وتنامي الحضور التركي من سوريا إلى الجوار الإفريقي لمصر.
ولا تريد الحكومة التخلي عن علاقاتها القديمة، لكنها لا تستطيع تحمل كلفة الانحياز الكامل إلى محور جديد. وبين هذين الخيارين، تعيد مصر ترتيب حساباتها، دون أن تكون قد حسمت بعد طبيعة النظام الإقليمي الذي تريد رؤيته أو الدور الذي تسعى إلى أدائه داخله.
https://almanassa.com/en/stories/34346

